كلما تقدمت في عملي وجدت أن أكثر المهارات التي أحتاجها ليس لها بالضرورة علاقة بتخصصي وإنما بفهمي لمبادئ الإدارة ومهارات التواصل والتعامل مع الفريق. قد يبدو الكلام بديهياً فمنذ أن فهمنا فكرة التعليم التعاوني وعبارات مثل: “ننجو معاً أو نغرق معاً” التي حفظناها غيباً في المدرسة حتى دخولنا للجامعة وسماعنا المتكرر لفكرة Group work وعناصر الفريق الناجح ونحن نتعامل بشكل روتيني مع هذه المهارات.
لم أنتبه لحاجتنا للتذكير بها حتى بدأت تمريناً مع طالباتي يناقش مقالات متخصصة موزع على ثلاثة أسابيع. بعد الأسبوع الأول، نبهتني إحدى الطالبات أنه أثناء نقاشنا السابق كان هناك الكثير من المقاطعة وبعض الشخصيات التي تكرر حديثها دون أن تترك فرصة للآخرين الأقل جرأة على الحديث. بالطبع كمعلم كنت قد انتبهت لهذه السلوكيات أثناء النقاش لكن مالم أنتبه له أننا نحتاج لتذكير مستمر لمايبدو بديهياً في بيئة دراسية ومثلها في ذلك بيئة العمل.
لايعني الحديث عن هذه المهارات نقصاً فيما نعرف، فمعظم هذه المعلومات قرأناها ومارسناها وربما حضرنا ورش عمل مكثفة فيها لكننا ببساطة نحتاج للتذكير الدائم بها، نحتاج ساعة صفاء بين عمل متراكم وروتين اكتسبناه عن طريق الخبرة. لقد قرأت كثيراً حول هذا الموضوع ووجدت أكثر خبرتي من مواقف وتحديات ومشاكل مررت بها بعضها نتيجة تراكم لم أنتبه له حتى اضطررت للعمل مع أشخاص مختلفين تماماً عمّا أعرف. ليس عيباً فيهم أو مثالية مني لكنّ الخبرة تأتي مع تعاملنا مع الإختلاف وليس التشابه. نحن ننضج عندما نتصادم وبالرغم أن هذه المواقف لها حظها من التوتر والإنفعال إلا أنها الطريقة الأصعب للتعلم الراسخ تماماً مثل تعلم السباحة عن طريق تجربة الغرق.
كم تمنيت أن أكون مستعدة لهذه المواقف قبل أن أصادفها لكن “المعرفة لاتعني الفهم وقد نعرف كل شيء من دون أن نفهم أي شيء” أو حتى نجرب بأنفسنا
من الأمور التي ساعدتني كثيراً بالإضافة لقراءتي المتبحرة حول الموضوع؛ وجود أشخاص ذوي خبرة من حولي كنت محظوظة جداً بمنحهم لي بعضاً من وقتهم وحكمتهم لتوجيهي حين كنت في غاية الضياع ولايعني ذلك أنني سلمت من الأخطاء لكنني تعلمت من التجربة وهو ماأريد نقله لكم وسأذكر في نهاية المقال بعض المراجع المفيدة للراغبين في الإستزادة.
للتوضيح فإن النقاط التي سأذكرها ليس لها أولوية في التطبيق، وهي في معظمها دروس ممتنة لها من تجاربي الشخصية يمكن أن يختلف تطبيقها بحسب حجم فريق العمل ومدة العمل معه فهناك مشاريع تستمر لأسابيع وأخرى نعمل عليها لسنوات أوقد تكون مؤقتة مثل مجموعة دراسية أو دائمة مثل التعامل مع فريق زملاء العمل ولكل منا تقييمه الخاص للتصرف المناسب في الوقت المناسب وربما نستطرد لاحقاً في تجاربكم الشخصية حول الموضوع.
إذاً مالذي قد يساعدني على العمل بكفاءة؟
“It’s only after you’ve stepped outside your comfort zone that you begin to change, grow, and transform.”
Roy T. Bennett
احترم جهود الآخرين
أياً كانت نقطة البداية لديك فلابد أن يكون هناك من سبقك في المجال وبغض النظر عن عمره أو خبرته أو رأيك في أداءه أو تقييمه العام فلابد من احترام جهوده وتقدير مافعله ومهما اختلف حجم الفريق أو الإدارة يجب دائماً الإشادة بمن يحسن في عمله ويعمل على تطويره ولايمكن أن يكون الجميع متساوون في هذه النقطة.
على الجانب الآخر، عندما تنتهي فترة عملك ويصبح زميلك مسؤولاً عليك أن تحترم فكره ووقته دون أن تتصيد أخطاءه. من الاحترام ألا تتجاوزه بحكم علاقاتك الأقدم وألا تفرض رأيك بحكم خبرتك وأن تساعده حين يحتاج.
قد أختلف مع شخص ما على أسلوبه في الطرح أو أولوياته في العمل أو معالجته لأحد المشاكل أو المسؤوليات لكن لايعني هذا أنه لم يبذل جهده ببساطة أو أنه غير صالح للعمل.
الاحترام يجعل العلاقات تحافظ على الود حتى حين وجود الإختلاف وتلمحيات بسيطة بعكسه قد تهدم العلاقات خصوصاً في العمل.
احترام جهود الآخرين بداية في عدم نشر مالايعجبنا عنهم عند الأشخاص الغير معنيين بالأمر ولايكون فقط في ذكر جهودهم بل يمكن أن يأخذ شكل الاستشارة في أحيان كثيرة أوالإشراك في اتخاذ القرار أوذكر الفضل في محله. على العكس من ذلك فإن عدم احترام الآخرين قد يحصل بنسب أعمالهم لغيرهم أو عدم النظر فيما فعلوه من الأصل أو عدم إعطاءهم مساحة للمشاركة أو تهميش دورهم بحجة تجربة أسلوب جديد أو تجاوزهم في اتخاذ القرار أو تصعيد الخلافات معهم دون إعطاءهم فرصة جيدة للتبرير والقائمة تطول.
البنية التحتية أولاً
عندما تكون مسؤولاً عن فريق وخاصة إذا كنت تعرف طبيعة عمله مسبقاً قبل أن تكون مسؤولاً عنه ستجد كثيراً من الأفكار الجذابة والأهداف التي يمكن أن تعزز من إنتاجية العمل أو تبدو مهمة في وقتها. لكن دون نظام واضح وبنية أساسية مضبوطة المعايير لايمكن أن ينجح العمل بسلام.
ولعل هذا يذكرك بعدد من الإدارات واللجان التي عملت فيها والتي حققت نجاحاً قابل الأهداف المرجوة منها كما يجب لكن إن دققت في النجاح دون نظام ستجد الكثير من الخلافات الداخلية وعمل الشخص الواحد والجندي المجهول الذي انتهى به الأمر وهو لايريد تكرار التجربة لأنها استنزفت طاقته ووقته ونفسيته إلى آخره.
يجب أن يكون هناك رؤية واضحة يتفق عليها الجميع بحيث توجه كل الجهود الفردية لدعمها، عدا ذلك ستكون الجهود مشتتة وسيكون هناك العديد من الجهود الإرتجالية في معظم الأحيان والتي قد تكون صحيحة لكنها تعكس الشخص ولا تعكس الفريق وهي مشكلة أساسية في العمل.
تظهر آثار هذه المشكلة واضحة عندما يختفي شخص أو أكثر من الفريق لنكتشف أن العمل كان معتمداً على وجودهم دون وجود مرجع واضح له.
ولله الحمد هناك الكثير من المنصات المجانية المنتشرة حالياً التي تسهل عمل الفريق وقد لاحظت الحاجة إليها مع العمل عن بعد أكثر من أي فترة أخرى. هذه المنصات تساعد على تأسيس البنية التحتية للفريق بصوره سهلة تعفي الفريق من الإجتهاد في إنشاء نماذج مختلفة أو البحث عن المستندات المرسلة من خلال البريد الإلكتروني مثلاً وتوفر جهده ووقته في التركيز على المهام المطلوبة منه بفاعلية.
لايمكن أن أوكد بشكل كافي على أهمية وجود نظام فعال ومهام واضحة وأهداف مكتوبة واجتماعات موثقة تكتب أهدافها قبل بدءها ويكتب تقرير واضح بعدها. هذه الأمور الروتينية الإدارية تعفي الجميع من كلام في غير محله وتهرب من المسؤوليات وآراء شخصية غير موجهة تستنزف طاقة الفريق.
لا يمكنك النجاح وإرضاء الجميع في نفس الوقت
ربما تكون هذه من البديهيات في العمل بل في الحياة بشكل عام، وربما تكون قاعدة تعتمد على الظروف فهناك قرارات في العمل لاتحتاج لتصويت ويمكن أن يقررها قائد الفريق دون الحاجة لعقد اجتماع أو مشاركة الأعضاء بالأمر وأحياناً يكون هذا في مصلحة الجميع حيث يتيح ذلك لكل شخص التركيز على المهمة المعني بها دون إضاعة الوقت في حديث قد تقرر مصيره مسبقاً.
كل زميل حالي هو رئيس مستقبلي والعكس صحيح ومن الوارد جداً أن يحصل بيننا اختلاف في وجهات النظر أو تعارض في الآراء وبسبب غياب النظام الواضح تؤخذ الأمور في بعض الأحيان بشخصية في غير محلها ولايوجد من يريد أن يكون في موقف يضطر فيه لتقديم استمرارية علاقته مع زملاءه على كفاءة العمل أو العكس لكننا نضطر في أحيان كثيرة لاتخاذ قرارات قد تتعارض مع آراء البعض أو قد تنشر نوعاً من السلبية بين الفريق.
استشارة الشخص المناسب في مثل هذه المواقف ممن له الخبرة الكافية يساعد في عرض القرار بطريقة مناسبة واختيار الوقت المناسب له. أيضاً إشراك أشخاص من خلفيات مختلفة ووجهات نظر متباعدة في اتخاذ القرار يجعل الأمر أقل حدة ويعرضه بموضوعية دون تحيز لمجموعة على أخرى. أضف لذلك تركيز الحديث دائماً على الرؤية المشتركة بين الفريق وتجنب أخذ الأمور على محمل شخصي، كل هذا قد يساعد في معالجة مثل هذه المواقف. وقد وجدت شخصياً أكثر الطرق فعالية هو الحديث بود مع الشخص أو الأشخاص المعنيين ممن لهم رأي معارض في القرار على انفراد دون إثارة أقاويل في غير محلها ومحاولة احتواء الموقف قدر المستطاع بالتأكيد على الإحترام المتبادل والهدف المشترك دون تهميش.
ليس من المهم أن يعرف الجميع بجهدك وقيمة ماتفعل؛ المهم أن يعرف الشخص المناسب
الحصول على التقدير في العمل أمر في غاية التعقيد، الشخص المجتهد يريد أن يعرف الناس باجتهاده وبغض النظر عن أهدافه سواء كان يطمح لترقية أو يريد إضافة إنجاز معين لسيرته الذاتية، فإن الإشادة بالعمل تظل مطلب الجميع.
أن تكون محط احترام الجميع فيما تتقن والمرجع لهم حين يحتاجون نصيحة أو شخص ذو خبرة؛ أمر في غاية الروعة لكنك لايمكن أن تصل لهذه المكانة إذا ركزت على الجميع. لكن من الخطأ أن تتقن عملك وتدفنه بين المستندات أو أن تحتفظ به لنفسك ومن الخطأ أيضاً أن يكون تركيزك الأكبر هو إعلام الجميع بما تفعله وتتقنه وفي الحالتين لن تصل للمطلوب.
لذا يجب أن تركز على إتقان عملك في أفضل صورة وعرضه بالطريقة المناسبة على الشخص المناسب والسمعة الجيدة ستحصل مع الوقت وسيعرف الجميع بنقاط قوتك تباعاً.
الإستثمار في التعلم مسؤولية شخصية
كيف تكتب إيميل باللغة الإنجليزية أو رسالة واتس اب لزميلك بطريقة محترمة غير هجومية؟ كيف تطور مهارات التواصل مع الآخرين عن بعد أو وجهاً لوجه؟ كيف تعبر عن رأيك بمهنية دون تبطين الكلام بغمز ولمز؟ كيف تنظم عملك وتوثقه بالصورة الأمثل؟
وغيرها من المهارات والأسئلة التي يجب على كل موظف مهما اختلف مجال تخصصه أن يطور نفسه فيها وبالطبع كل المؤسسات تملك مسؤولية تطوير منسوبيها وتوفير فرص التدريب المتخصصة لهم لكنّ المؤسسة ستوفر لك الفرصة العامة لك ولزملائك ومسؤولية التطوير والعمل على نقاط الضعف الشخصية تقع عليك أنت.
اهتمامك بهذه الأمور سيعفيك من جلسات مصارحة أو نظرات من الزملاء أو حديث من وراءك حول أسوأ صفاتك وسيزيد من احترامك في عملك. من غير المعقول مثلاً أن يضطر أحدهم بإخبارك أنك تقاطع الآخرين باستمرار أو أن يشتكي زميلك من عدم تنظيمك للعمل ورفضك المتكرر للمساعدة! عليك أن تكون واعياً بمثل هذه التصرفات أو أن تطلب المساعدة من زميل ثقة يمكنك أن تعتمد عليه ليرشدك حين تتصرف من غير قصد بشكل غير لائق.
ومن الأمور الأخرى المساعدة في التطوير الشخصي للمهارات مايعرف ب”تقييم الأقران” Peer Review حيث تطلب من زميلك مراجعة ملف أعددته أو حضور عرض تقدمه أو الجلوس معك حين تعمل على برنامج معين ويتم الإتفاق بينكم على هدف واضح للمتابعة بناء على تقييمك الشخصي لنقاط ضعفك وقوتك أو ملاحظة وردت لك من أحد زملائك. يحضر زميلك وتناقش بعدها معه الموضوع بهدف الحصول على نقد بناء وطرح حلول مساعدة ثم تختار منها مايناسبك بالرجوع لتقييمك الشخصي. هذا النوع من التقييم ينجح فقط حين تكون علاقتك مع زميلك على قدر من الود تسمح له بالحديث بشفافية وتتقبل منه النقد بأريحية كما يلفت انتباهك لأمور لم تلاحظها كنقاط قوة أو مايجب أن تركز على تطويره من نقاط ضعف.
تكنيك إلقاء اللوم
سيكون هناك دائماً من يجد مهرباً لتقصيره بزعم أن المواقف أو الآخرين من زملاء أو رؤساء أو طلاب هم السبب. يمكن للجميع أن يهرب من أخطاءه بهذه الطريقة وأستغرب ممن لايثمن فكرة التأمل في الموقف بهدف التعلم منه.
ليس من العيب أن تخطئ أو تقصر أو تنسى، لكن الطامة الكبرى حين تتكرر الأخطاء ويتكرر التبرير ويستمر التعزيز في غير محله وأن يكون هناك دائماً شيء أو شخص غيرك ملام.
كيف نتعلم؟
مهما وصل منصبك ومهما بلغت من الخبرة، كيف تستمر عملية التعلم وصقل المهارات؟
لابد من اتقان مهارة التأمل وأقصد هنا reflection. التأمل الصادق تتعلم منه كيف تقرأ جميع التعليقات وتأخذ جميع المتغيرات في عين الإعتبار ثم تبدأ بمراجعة النقاط واحدة تلو الأخرى لتصل للمهم منها والذي يمكن أن تتطور بناء عليه. التأمل الصادق تتعلم منه أن تضع خطة شخصية تعترف من خلالها بنقاط الضعف لديك وتشيد بنقاط القوة التي تمتلكها وتعمل على تطوير مهاراتك بها.
لايهم أن تشارك هذه الصفات مع الآخرين ولن يطلب منك أحد أن تعرض مبرراتك للخطأ أو التقصير عن العلن؛ هو تمرين شخصي يفيدك في تقييم الأمور وقد يحصل بمساعدة الآخرين لأن تقييمنا للأمور أحياناً بشكل شخصي قد يغيب عنه بعض النقاط، لكن هذه المهارة تتطور شيئاً فشيئاً مع الممارسة لتعتمد في النهاية على تقييمك الشخصي الصادق. أنصح بالقراءة حول موضوع Reflective writing والبحث عن نماذج التأمل التي قد تساعد كثيراً في الوصول للمصداقية في التقييم.
ماذا عن تجاربك؟
التطور المهني من أكثر الأمور التي يمكن أن نغفل عنها بسبب روتين العمل الذي نكتسبه مع سنوات الخبرة ولأننا ببساطة نشعر دائماً أن هناك شيئاً أكثر أهمية من التركيز على هذا النوع من المهارات. لكن العمل الكثير لايعني العمل الجيد وهناك العديد من الكتابات حول العمل بذكاء مما قد يوفر لك الوقت لتركز على مهاراتك الشخصية واهتمامات أخرى دون تقصير في جودة ماتعمل.
أتمنى أن تجد فيما قرأت شيئاً من الفائدة وأن تعرف أنك لست لوحدك من يحمل هاجس العمل وأنا متأكدة أن هناك تجارب أثرى ومواقف عديدة لديك شخصياً يمكن أن تضيف لمحتوى هذا المقال والتي أسعد كثيراً بمشاركتك لها على بريدي وقد تتفاجئ من عدد الأشخاص الذين مروا بنفس الموقف والذين وقعوا في نفس الحيرة.
كتب مفيدة
- Great at Work
- Act Like a Leader, Think Like a Leader
- Lean In: Women, Work and the Will to Lead
- HBR Guide to Leading Teams
